القرطبي
158
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
سورة النور مدنية بالاجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينت لعلكم تذكرون ( 1 ) مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر . وكتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة : علموا نساءكم سورة النور . وقالت عائشة رضي الله عنها : ( لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور والغزل . ( وفرضناها ) قرئ بتخفيف الراء ، أي فرضنا عليكم وعلى من بعدكم ما فيها من الاحكام . وبالتشديد : أي أنزلنا فيها فرائض مختلفة . وقرأ أبو عمرو : " وفرضناها " بالتشديد أي قطعناها في الانزال نجما نجما . والفرض القطع ، ومنه فرضة القوس . وفرائض الميراث وفرض النفقة . وعنه أيضا : " فرضناها " فصلناها وبيناها . وقيل : هو على التكثير ، لكثرة ما فيها من الفرائض . والسورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة ، ولذلك سميت السورة من القرآن سورة . قال زهير ( 1 ) : ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب وقد مضى في مقدمة الكتاب ( 2 ) القول فيها . وقرئ : " سورة " بالرفع على أنها مبتدأ وخبرها " أنزلناها " ، قاله أبو عبيدة والأخفش . وقال الزجاج والفراء والمبرد : " سورة " بالرفع لأنها خبر الابتداء ، لأنها نكرة ولا يبتدأ بالنكرة في كل موضع ، أي هذه سورة . ويحتمل أن يكون قوله : " سورة " ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة فحسن الابتداء لذلك ، ويكون الخبر في قوله : " الزانية والزاني " . وقرئ " سورة " بالنصب ، على تقدير أنزلنا سورة أنزلناها . وقال الشاعر ( 3 ) :
--> ( 1 ) كذا في الأصول . والمعروف أن هذا البيت للنابغة الذيباني من قصيدة يمدح بها النعمان ويعتذر . ( 2 ) راجع ج 1 ص 65 . ( 3 ) هو الربيع بن ضبيع بن وهب ( عن شرح الشواهد الكبرى للعيني ) .